المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في رحاب الأدب


رشيد عباز
06-04-2007, 12:33
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأحبة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، حياكم الله ووقاكم مما يزري بالكريم ، وأدام سعادتكم وهناءكم في هذه الأيام المباركة ، نتوجه إليه سبحانه وتعالى مخلصين وملحين في دعائنا أن يجعلنا ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه.
هذه الأسطر التي أضعها بين أيدي إخواني لم أدع فيها علما ولا معرفة وإنما هي محاولة لتقريب بعض المفاهيم الأدبية والنقدية لإخواني عسى أن تفيدهم أو توضح لهم على الأقل معالم الطريق .
منذ مدة وهذه الفكرة تراودني حاولت أن تعرف النور حينها ، لكن الظروف كانت أقوى من ذلك .
واليوم وقد تيسر ما تعسر بالأمس ، وعادت الفكرة القديمة المتجددة إلى الظهور من جديد، طاغية على غيرها من الأفكار، وفارضة نفسها أكثر من أي وقت مضى فلم أجد مانعا من تنفيذها حتى ينتفع بها الإخوان.
ولم أقصد أثناء جمع مادتها التأليف لأن ذلك له شروطه ومنهجيته، وإنما أن تكون أفكارا قد ترفع لبسا ، أو تزيد فهما وإدراكا ، وحسبي إن حققت هذا الهدف المنشود وهذا مصداقا للحكمة القائلة : ( علم علمك من يجهل ، وتعلم ممن يعلم ، فإذا فعلت ذلك حفظت ما علمت، وعلمت ما جهلت ) .
وما أطلبه من إخواني إلا الدعاء الصادق بأن ييسر لي الله ما قد تعسر ، حتى أنعم بجوار الحبيب هناك ولو لساعات معدودات وهي أمنية يتمناها كل مسلم .
وما تفيقي إلا بالله، عليه توكلت ، ومنه نرجو السداد والرشاد.
أخوكم الأستاذ رشيد عباز


خصـــائص الشعر ومقوماته الفنية

مفهوم الشعر : الشعر تعبير عن الحياة كما يحسها الشاعر من خلال وجدانه وتصوير لانعكاسها على نفسه ولقد لجأ الانسان إلى الشعر منذ نشأته الأولى ليصور إحساسه مدفوعا بحاجته الفطرية إلى التعبير عما يجيش بداخله مستعينا بالغناء و الإيقاع ، ثم عمق إحساسه ونضج إدراكه واتسعت آفاق دنياه وانفسحت آماله وتعقدت عواطفه وظل الشعر مع ذلك – وسيظل – يعبر عن عالمه النفسي و يساير عمق إدراكه للوجود و انفعاله بالحياة و اندماجه في الكون.
و كلما تقدم الانسان وصقل ذوقه ورهف حسه إزدادت حاجته إلى الشعر وإلى الفن بوجه عام تبعا لازدياد شعوره بمعنوياته ووعيه لإنسانيته التي تميزه عن الحيوان الأعجم الذي يقوم وجوده على الضروريات المادية، ويخطئ من يظن أو يعتقد أن زمن الشعر قد ولى إلى الأبد ، لأننا في عصر التكنولوجيا والمعلوماتية والتطور العلمي الرهيب.
المقومات الفنية للشعر هي :
1 - التجربة الشعرية .
2- الوحدة العضوية
3- الصور التعبيرية بما فيها من الألفاظ و العبارات و الصور و الأخيلة و الموسيقى .
مفهوم التجربة الشعرية :إذا سيطر على نفس الشاعر موضوع أو فكرة أو مشهد من مشاهد الحياة و عمق شعوره و انفعاله به و استغرق فيه متأملا مفكرا و أصغى إلى إيقاع النغم لهذه المعاناة في أعماق نفسه فهذه هي التجربة الشعرية .
نرى مثلا "إيليا أبو ماضي" في قصيدة" الطلاسم " و خاصة في طلاسم البحر يقف أمام ألغاز الوجود حائرا فيسائل البحر ويدير معه الحوار إلتماسا للوصول إلى أسرار الكون .
فهذه تجربة شعرية انفعل فيها الشاعر بهذا الموقف فجاءت قصيدة معبرة عن معاناة نفسية و صدى للنغم الداخلي الذي هز وجدانه .
ومن التجارب الشعرية ما هو ذاتي محض ، ومنها ما يتجاوز حدود الذاتية الخاصة للشاعر إلى آفاق عامة اجتماعية و إنسانية .
ومو ضوعات هذه التجارب لا يمكن حصرها ، فهي تتسع لكل ما تتسع له الحياة ، ولا يشترط أن يكون موضوعها شيئا عظيما ، فقد يكون عاديا أو أمرا هينا ، و الشاعر الأصيل هو الذي يستطيع أن يجد موضوعات تجاربه في كل ما حوله ، ما دام ينفعل به و يحس وقعه على وجدانه .
و الشعر فن جميل ولهذا يتجه – أو يجب أن يتجه - إلى المثل العليا ليحقق شرط جماله وقوام فنيته ، و المقصود بالجمال هنا هو الجمال المعنوي الذي يجده الانسان في الخير و الفضيلة و الحق و الشرف العدل .

يتبع بإذن الله

رشيد عباز
06-04-2007, 12:37
الصدق في التجربة الشعرية : و المراد بالصدق هو الصدق الفني بمعنى أن يكون الشاعر صادق الشعور و الانفعال بتجربته و أن يعبر عما يجده فعلا في نفسه و يؤمن به، فلا تزييف، ولا تقليد لغيره .
و إذا انعدم الصدق في الشعر فقد قيمته الأدبية والجمالية ، كشعر المناسبات الذي يدفع إليه الشاعر دفعا لا عن إحساس صادق وإلهام، و لكن لمجرد إظهار البراعة في القول ، وكشعر الشعراء المقلدين الذين ينظمون فيما لا يحسون فيأتي كلامهم فاترا جامدا هامدا لا حياة ولا روح فيه.
و الصدق في التجربة لا يستلزم أن يعانيها الشاعر بنفسه بل يكفي أن يتمثلها و يقوي شعوره بها و أن يتوافر له من الحس المرهف و المقدرة الفنية ما يمكنه من تصوير تجربته تصويرا حيا مؤثرا ورائعا يزرع فيها الروح والجمال وينقل القارئ إلى عوالم من الجمال والإبداع والعبقرية الفنية.
الفكر في التجربة الشعرية : الشعر ليس مجردا من الفكر فالشاعر حين يصور تجربته و يعبر عن ذاته إنما يعبر في الوقت نفسه عن موقفه تجاه الحادث الذي أثر فيه و المشهد الذي انفعل به و هو بهذا يقدم لنا آراءه وأفكاره حتى لو لم يقصد إلى ذلك عمدا .
و بقدر ما يتاح للشاعر من خصب الفكر و عمق النظرة إلى الكون يتجاوز شعره حدود مكانه وزمانه فيؤثر فيمن لا تربطهم به رابطة الاقليم أو العصر .
و الأفكار لاتساق في الشعر سوقا تقريريا بل تأتي عبر وجدان الشاعر كما هو الحال في قصائد الشعر السياسي و الاحتماعي التي نجدها خصوصا في الكتب المدرسية ، فقد عبرت عن موقف الشعراء من قضايا المجتمع بأسلوب فني لا يقوم على السرد و التقرير فإذا ساق الشاعر الأفكار في شعره سوقا مجردا صارت ذهنية جافة و تحول الشعر إلى نظم لا روح فيه . ومن هذا اللون بعض الحكم و الأمثال التي ترد لبعض الشعراء غير ممتزجة بسيء من تجاربهم النفسية .
ماانتفع المرء بمثل عقلــــه ***** و خير ذخر المرء حسن فعله
اصحب ذوي الفضل أهل الدين ***** فالمرء منــسوب إلـى القرين
و لكن الحكمة إذا امتزجت تماما بتجربة الشاعر الذاتية ظلت في نطاق الشعر .
2- الوحدة العضوية : المقصود بها وحدة الموضوع ووحدة الجو النفسي للقصيدة ، فلا يبدأ الشاعر مثلا بذكر أحباب له فارقهم ثم ينتفل فجأة إلى مدح أو هجاء دون أن تكون هناك صلة معنوية بين ما بدأ به و ما انتقل إليه .
و ليس معنى وحدة الجو النفسي ثبات الشاعر على إحساس واحد في الموقف الشعري ، بل إن الشاعر قد تعتريه في هذا الموقف حالات شعورية متفاوتة ؛ من تهلل و إشراق أو حزن و انقباض ، من سخط و غضب أو استسلام و ضراعة و للتقريب نقول : إن القطعة الموسيقية تتفاوت أنغامها و قد تتعدد آلاتها لكنها تظل مع هذا التفاوت و التعدد مترابطة العناصر منسجمة الايقاع لا تحس فيها نشازا أو تنافرا أو تبديل بيت مكان آخر ، من تقديم و تأخير ،أو حذف بيت من القصيدة فهي وحدة متكاملة .
و الوحدة العضوية للقصيدة بهذا المفهوم الحديث ، لم تكن معروفة في أكثر من موضوع واحد ، كالغزل و الوصف و المديح و غيرها ، غبر أننا نلاحظ أن قصائد فحول الشعراء في مختلف العصور – وإن لم تظهر فيها الوحدة العضوية بهذا المفهوم – كان يسيطر عليها جو نفسي واحد يوجه القصيدة و ينتقل بها من موضوع إلى موضوع .
فمثلا قصيدة البارودي " في سرنديب " نرى الشاعر قد تنقل من الحديث عن الطيف إلى شكوى الأيام ، إلى الحديث عن الآمال التي تراوده ، إلى التأسي ورياضة النفس على الصبر و قد تنقل هذ التنقل دون أن ينفصل عن عالمه النفسي الذي يموج بهمومه و أشجانه ، موزعا بين اليأس و الرجاء ، مما يحفظ للقصيدة وحدتها النفسية على الرغم مما يبدو من تفاوت الأجواء التي تنقل فيها الشاعر .
وتعد الوحدة العضوية من مظاهر التجديد في الشعر العربي الحديث أخذ بها جيل الشعراء المجددين في الشرق العربي و في المهجر و حمل لواء الدعوة إليها و إلى غيرها من مظاهر التجديد طائفة من النقاد منهم : العقاد الذي يقول :"إن القصيدة ينبغي أن تكون عملا فنيا تاما يكمل فيها تصوير خاطر أو خواطر متجانسة ، كما يكمل التمثال بأعضائه و الصورة بأجزائها و اللحن و الموسيقى بأنغامه بحيث إذا اختلف الوضع أو تغيرت النسبة أخل ذلك بوحدة القصيدة و أفسدها فالقصيدة من الاشعر كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته " و يقول : " القصيدة بنية حية و ليست قطعا متناثرة يجمعها إطار واحد فليس من الشعر الرفيع تغير أوضاع الأبيات فيه و لا تحس منه ثم تغيير في قصد الشاعر و معناه "[/B][/SIZE]

يتبع بإذن الله

رشيد عباز
06-04-2007, 12:44
الصورة التعبيرية ( الصياغة الشعرية ) :
ا- الألفاظ و العبارات : الكلمة آداة التعبير للشاعر ، كما أن النغمة أداة للتعبير للموسيقى ، و اللون آداة التعبير للرسام ، وليس بين يدي الشاعر سوى تلك الكلمات التي لا تخرج كثيرا عما يستعمله الناس في كتاباتهم و أحاديثهم .
لكن الكلمة في الشعر لا تقف عند دلالتها التي و ضعت لها بأصل اللغة ، بل أنها تحمل شحنة من العواطف و المشاعر ، ليتسنى لها أن تحقق غاية الشعر الذي هو لغة العاطفة و الوجدان قبل أن يكون لغة الفكر و العقل .
فالشاعر يبث في لغته روحا جديدة يستطيع أن يؤدي بها ما يزخر به عالم النفس من مشاعر و أحاسيس ، لا حدود لها وهو يمنح من الألفاظ و الدلالات الشعورية ما لا تعطيه دلالتها الذهنية المحدودة .
و الشاعر يمتلك سر الكلمة بفطرته الملهمة ، وموهبته الأصيلة و ذوقه الفني المرهف .
و لا بد هنا التنبيه أول الأمر إلى أنه لا يراد بالكلمة اللفظة المفردة لأن هذه لا تحيا وحدها ، ولا تستكمل قدرتها التعبيرية إلا في سياق خاص ترتبط فيه بأخواتها و تتفاعل معها مؤثرة فيها و متأثرة بها .
فالشاعر في اختيارألفاظه و تنسيق عباراته يعي القوانين العامة للغة من حيث فصاحة الكلمات و خلوها من تنافر الحروف و بعدها عن الغرابة كما يدرك ما يقتضيه الموقف الذي يعبر عنه من إيجاز و إطناب و إظهار و إضمار و تقديم وتأخير و نحو ذلك مما يعرف في مصطلح البلاغة بمقتضى الحال و المقام .
و الآداء الشعري يعتمد على الإيحاء و التصوير لأحداث التأثير الانفعالي و المشاركة الوجدانية المطلوبة .
ولعل الشعر هو الفن الوحيد الذي يمكن أن تلتقي فيه الفنون الجميلة على إختلاف أنواعها ؛ ففيه من الآداب من الكلمة و من الموسيقى ايقاع النغم ، ومن النحت تجسيم المعاني و تشخيص الخواطر و المشاعر ، ومن الرسم تصوير المواقف الشعرية ، ففي قصيدة " إلى طغاة العالم " للشابي مثلا نحس الأثر الذي تشعه الألفاظ و العبارات في جو القصيدة ، ففي قوله :
ألا أيهــا الظالم المستبد ***** حبيب الفناء عدو الحيــاة
نجد أن كلمة ( جبيب الفناء عدو الحياة ) توحي بحرص أولئك الظالمين على تخريب العالم و تدمير حياته حرص من يحب الفناء ويغرم به لما تأصل في طبعه من عداء للانسانية .
كما نجد المقابلة في العبارة ساعدت على توضيح الفكرة و تأكيدها و التأثير بها ، وفي قوله :
رويدك لا يخدعنك الربيـتع ***** وصحو الفضاء و ضوء الصبـاح
ففي الأفق الرحب هول الظلام ***** و قصف الرعود وعصف الرياح
إيحاد قوي يهول ما ينتظر الطغاة المستبدين عندما تستيقظ الشعوب و ذلك في هذه اللوحة الفنية المصورة للجو المكفهر المظلم ، المجسمة لمشهد العاصفة تقصف فيها الرعود و تعصف الرياح .
و سلامة المعنى الشعري ضرورية في الشعر ، ولا يعاب الشعر بالغموض الرمزي و لكن يعاب عليه فساد المعنى أو قصور العبارة عن آدائه .
وقد لاحظنا في قصيدة " الحجر الصغير " لإيليا أبي ماضي بساطة في التعبير مع بعض الخيال وسهولة في الألفاظ مع عمق الفكرة .
و الشاعر الذي يستمد ألفاظه و عباراته من لغة الحياة في عصره أقدر على التأثير ممن يستعمل ألفاظا مهجورة لأن الألفاظ الحية الأقدر على تصوير الانفعال و الايحاء .
و ألفاظ اللغة كالكائنات الحية ، تتطور باختلاف العصور و البيئات فيحيا بعضها و يكسب بعضها دلالة جديدة و ينزوي بعضها الآخر في طيات المعاجم ، وإذا كان الشعر تعبيرا عن الحياة فإن ذلك يقتضي أن يتحدث الشاعر بلغة عصره الذي يحيا فيه ، بحيث لا يحتاج في قراءة الشعر المعاصر إلى الرجوع إلى المعاجم اللغوية
على أن المقياس في ذلك هو القارئ المثقف المطلع على الأدب بشعره ونثره المتصل بالتراث الأدبي للقارئ العادي ، وتطبيقا على ذلك نرى أنه لا ينقص من قدر الشعر القديم ما يلحظ فيه من غرابه الألفاظ و التعبيرات ، لأنه صور بيئته ، وتحدث بلغة عصره ، وإذا كنا مطالبين بإحياء التراث الأدبي القديم ، والوقوف الدقيق على أساليب التعبير لدى الأدباء السابقين ، فليس معنى ذلك أن نتقيد بهذه الألفاظ و الأساليب و نجمد عليها ، بل نحاول بها أن نكسب ذوق العربية ، و أن ندرك حسها اللغوي في الأداء و أسرارها في البيان .

يتبع بإذن الله

رشيد عباز
06-04-2007, 12:48
الصورة و الأخيلة : الصورة والأخيلة عنصر في الصياغة الشعرية يعتمد عليها الشاعر في التعبير عن تجرته تعبيرا حيا مؤثرا .
ومن الخيال ما هو جزئي في العبارة أو الصورة البيانية ومنه ما هو كلي في الرؤيا تلوح كخيال الشاعر ، فيرسمه أو يؤديها بالألفاظ ، والخيال الجزئي شائع في الشعر قلما تتجرد منه ألفاظه و عباراته ؛ تشبيها و استعارة و مجازا و كناية ، أما الخيال الكلي فتتفاوت فنون الشعر في حظها منه كما يتفاوت الشعراء أنفسهم ، فهو عند شعراء الجديد بوجه عام أكثر منه عند الشعراء القدامى .
و في النصوص التي ندرسها أمثلة كثيرة للتشبيه و الاستعارة و الكناية و ألوان المجاز ، تتبين منها أنها طريقة من طرق التصوير و إن لها قيمتها في جلاء المعاني و المشاعر و قوة تأثيرها إذا جاءت طبيعية غير متكلفة و لا مصطنعة لغرض شكلي لا يؤثر في المعنى و الأخيلة .
و الصور الإيحائية أقوى فنيا من الصور الوصفية المباشرة و أليق بالشعر و أبسط مظاهر الايحاء أن يوحي بالجو الانفعالي للشاعر كما نرى في كثير من النصوص كما هو الحال عند الشابي ، والرصافي وغيرهما من الشعراء.
موسيقى الشعر : الموسيقى عنصر جوهري في الشعر ، لا قوام له بدونها و هي أقوى عناصر الأيحائية فيه ، حتى لقد قيل أن الشعر موسيقى ذات أفكار .
و موسيقى الشعر ترجع أساسا إلى الوزن و القافية إذ ينشأ عنهما وحدة النغم و الإيقاع ( المراد بالنغم الوزن الذي تسير عليه القصيدة و المراد بالايقاع وحدة هذا النغم أي التفعيلة .
فالوزن ( البحر) الذي تسير عليها القصيدة يوفر لها توازنا في جميع العناصر الموسيقية عن طريق نظام محكم في التفاعيل و الحركات و السكنات فتكون تموجات النغم منتظمة متسلسلة ليس فيها اضطراب و لا نشاز و تمضي محتفظة بالرنين نفسه إلى نهاية القصيدة فكأننا حين نسمع إلى موسيقى منتظمة في اهتزازاتها وموجاتها الصوتية يضاف إلى ذلك أن انسجام الألفاظ بعضها مع بعض و دقة اجتماعها بعضها إلى بعض و يمنحها قوة ذاتية و يجعل لها من الإيحاء و التأثير ما لا يكون لها في الكلام غير الموزون .
إننا نتأثر بالموسيقى و نستجيب لها ، و الشعر تنظيم موسيقي للكلام ، فإذا سمعته الأذن شعرت بالطرب الذي تشعر به حين تسمع الموسيقى .
أما القافية فهي توضيح للإيقاع ، وتكرارها يزيد وحدة النغم ظهورا في الأذن فهي تثبيت للوزن بضرباتها المنتظمة ، والقافية هي اتحاد أواخر الأبيات في الحروف و الحركات .
و قد نشأ الشعر العربي منذ القديم ملتزما وحدة النغم و الايقاع إذ تشترك أبيات القصيدة في وزن واحد وقافية واحدة من مبدئها إلى نهايتها .
و قد رأينا الشعراء المجيدين تأتي قصائدهم على قافية تعطي رنيانا موسيقيا مناسبا لجو القصيدة و لعاطفة الشاعر وذلك لا يأتي عمدا ، وإنما يختار الشاعر بحاسته فنجد مثلا قصائد الرثاء تنتهي بحرف الدال المكسورة لأنها تعطي رنينا موسيقيا حزينا مثل قصيدة أبي العلاء المعري و قصيدة ابن الرومي ، وسار على ذلك الشاعر حافظ ابراهيم في قصيدته – في رثاء البارودي - وكذلك البارودي في رثاء زوجته يقول البارودي :
لا لوعتي تدع الفؤاد و لا يدي ***** تقوى على رد الحبيب الغادي
ويقول حافظ:
ردوا علي بياني بعد محمود ***** إني أعييت و أعيا الشعر مجهودي
و يقول المعري :
غير مجد في ملتي و اعتقادي ***** نوح بـــاك و لاترنم شــادي
و يقول ابن الرومي :
بكاؤكما يشفي و إن كان لا يجدي ***** فجودا فقد أودى نظيركما عندي
وقد ساعد العرب على وحدة القافية ما تتمتع به لغتنا من ثروة لغوية و اتحاد في صيغ الاشتقاق
و لقد كان لوحدة القافية أثر في بناء القصيدة إذ صار كل بيت له معنى مستقل عابوا الشاعر الذي يجعل البيت محتاجا لما بعده ليكمل معناه .
وقد خرجت على هذا النظام الموشحات في الأندلس ، لأنها كانت مطبوعة بطابع إقليمي ينزع إلى ثقافة أهل الأندلس و لأنها كانت تنظم للغناء بواسطة فرق غنائية يقوم المغني فيها بأداء فقرة ثم تتابعه المجموعة فقرة أخرى ، ولذلك اتخذت القافية في كل مقطع منها ، ولهذا لم تسر على نسق خاص و إنما تتبع طريقة الآداء ، وحينما ظهرت حركة التجديد في الشعر ثار الشعراء على وحدة القافية خوفا من تكلف كلمة لا تتماشى مع السياق أو الفكرة أو العاطفة .
و قد حاول بعض الباحثين أن يربط في الشعر بين موضوع القصيدة و بين الوزن الذي تنظم فيه فقالوا أن البحور ذات التفعيلات الكثيرة كالطويل و الكامل و البسيط و الوافر تتناسب بموسيقاها الممتدة الموضوعات الجدية كالفخر و المحاسمة و الدعوة إلى القتال وما إلى ذلك و لهذا كثر شعر القدماء على هذه البحور ، و أن البحور المجزوءة أو القصيرة تناسب الأغراض الخفيفة كالغزل و بعض الوصف و الموضوعات التي يتغنى فيها ، ولكن هذه الملاحظات جزئية و عامة على أن اختيار الشاعر البحر الذي ينشئ فيه قصيدته قد يصدر عنه تلقائيا ودون معاناة في أثناء عملية الخلق الفني .
و كذلك لاحظ بعض الباحثين نوعا من الارتباط بين حروف تجود في الشدة و الحرب وطلب الثأر و الدال في الرثاء و الفخر و الحماسة والباء في الغزل و الغناء و المدح و لكن هذه أيضا من قبيل الملاحظات الجزئية و لا تكفي لتحديد علاقة ثابتة بين الموضوع و القافية شأنها في ذلك شأن العلاقة بين البحور وموضوعات القصائد .

يتبع بإذن الله

رشيد عباز
06-04-2007, 12:51
الموسيقى الداخلية : الموسيقى الداخلية في الشعر هي التي يستجيب لها الشا عر في اختيار الألفاظ ذات الوقع الخاص ، وتأليفها في صوتية معينة ، فنحس حين قراءة فنه أن الشاعر يرجع نغما داخليا في أعماق وجدانه ، وهذا النوع من الموسيقى يختلف عن الموسيقى الظاهرة التي تحكمها قوانين الوزن و القافية ،لأن الأولى تحكمها قيم صوتية أوسع من الوزن و النظم وهي تساير الموضوع و تزيده ثراء من العاطفة و قوة في التأثير و نتيجة لها نحس هذا التفاوت في موسيقى الشعر بين اللين أو الشدة و الإيقاع أو الانخفاض و الطول أو القصر .
ومن الموسيقى الداخلية نوع خفي لا يدرك في يسر ووضوح و لكن نحس أثره فيما يشيع في النص من جو يلائم حالة الشاعر النفسية و يتواءم مع تجربته كالذي نحسه من الحزن الخافت و الألم المنغص و اتباع النفس في قصيدة " في سرنديب " للبارودي ومنه الجو المشحون بالحمية الملتهبة بنيران الحرب في قصيدة " إلى" طغات العالم " للشابي و قصيدة " نكبة دمشق " لأحمد شوقي . و يمكن تشبيه هذه الموسيقى بما يسمى الموسيقى التأثيرية التي نسمعها مصاحبة للمواقف المسرحية و مشاهدة الخيال للتعبير عن الأجواء المناسبة لهذه المواقف .

انتهى بحمد الله وعونه وللموضوع مراجع

رشيد عباز
06-04-2007, 12:56
وفي الأخير حتى يمكن للإخوة أن يستفيدوا منه خارج الاتصل بالشبكة ، فضلت أن أدرجه كاملا ، ما أرجوه هو دعوة خالصة تنفعني يوم لا ينفع مال ولا بنون.
أخوكم ابن الجزائر ، دمتم في رعاية الله وحفظه ، ووقاكم من كل مكروه وما يزري بالرجل الكريم.

أرجو من أخي الفاضل المشرف على المنتدى أن يثبت الموضوع حتى يستفيد منه أكبر عدد ممكن من الإخوة

قطر النَّـدى
06-04-2007, 15:16
حياك الله ..أستاذنا القدير ..

وعودتك مكسب لمنتدى اللغة العربية ، فننتظر منك ما يثري المنتدى ، ويخدم اللغة العربية ..


أستاذنا الفاضل :

جزاك الله خيرًا على هذه الفوائد والدروس المفيدة ..

ونتمنى منكم تقديم دروس تطبيقية في قراءة النّص الأدبي ، وتطبيقات للأعضاء في ذلك !

دمت في رعاية الله وحفظه !

رشيد عباز
06-04-2007, 20:46
إخواني الأعزاء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسعدني كثيرا أن أضع بين أيديكم هذا الموضوع الذي طلب مني في وقت سابق ، مضيفا إليه بعض الأبيات ونظرا لأهميته وفائدته فضلت أن أجعله هنا حتى يستفيد منه الجميع في مقدمة الموضوع تجدون الأبيات التي شملها التحليل ،الذي اتبعت فيه ما يلي :
1 - التعريف الموجز بالشاعر
2 - إيضاح وتحليل
3 - الدراسة الأدبية للأبيات
4 - الدراسة البلاغية .أملي كبير أن يطلع عليه الكثير لما له من فائدة ، ولا أريد منكم سوى دعوة خالصة لوالدي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. أخوكم رشيد عباز / ابن الجزائرقـــال أبو الطيب المتنبي :

على قدر أهل العزم تأتي العزائم **** وتأتي على قدر الكرام المكــــارم
وتعظم في عين الصغير صغارهــا **** وتصغر في عين العظيم العظـــائم
يكلف سيف الــدولة اليــــوم همــه **** و قد عجزت عنه الجيوش الخضارم
و يطلب عند الناس ما عند نفســــه **** وذلك ما لا تدعيه الضراغـــــــــــم
يفدي أتم الطيــر عمرا سلاحــــــه **** نسور الفلا أحداثها و االقشاعـــم
وما ضرها خلق بغير مخــــــــــالب **** وقد خلقت أسيافه و القوائـــــــم
هل الحدث الحمراء تعرف لونهـــــا **** و تعلم أي الساقيين االغمائـــــم
سقتها الغمام الغـــــر قبل نزولـ ـه **** فلما دنا منها سقتها الجماجـــــم
بناها فاعلى و القنا يقرع القنـــــا **** و موج المنايا حولها متلاطـــــــم
وكان بها مثل الجنـــــون فاصبحت **** ومن جثث القتلى عليها تمائـــــم
طريدة دهــر ساقها فرددتهــــــــا **** على الدين بالخطي و الدهر راغم

وكيف ترجى الروم و الفرس هدمها **** و ذا الطعن آساس لها و دعائــــم
وقــد حاكموها و المنايا حواكــــم **** فما مات مظلوم ولا عاش ظالــــــم
أتوك يجــرون الحديــد كأنمــــــــا **** سروا بجياد مالهــن قوائــــــــــم

إذا برقوا لم تعرف البيض منهـــــــم **** ثيابهم من مثلها و العمائـــــــــــم
خميس بشرق الأرض و الغــــــــــرب ****زحفه و في أذن الجوزاءمنه زمازم
تجمّــَع فيه كل لِِسْنٍ و أمــــــــــــة **** فما يُفهم الحدَّاث إلا التراجـــــــــم
فللّه وقت ذوب الغش نــــــــــــــاره **** فلم يبق إلا صارم أو ضبـــــــــارم
تقطَّع مالا يقطع الدهر و القنــــــــا **** و فر من الفرسان من لا يصــــــادم
وقفت و ما في الموت شك لواقــف **** كأنك في جفن الردى و هو نائــم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمـــــــــة **** و وجهك وضاح و ثغرك باســـــــم
تجاوزت مقدار الشجاعة و النهـــى **** إلى قول قوم انت بالغيب عالـــــم
ضممت جناحيهم على القلب ضمـــة **** تموت الخوافي تحتها و القـــــوادم
بضرب اتى الهامات و النصـر غائب **** و صار إلى اللبات و النصر قـــــادم
حقرت الردينيات حتى طرحتهــــــا **** و حتى كأن السيف للرمح شـــــاتم
ومن طلب الفتح الجليل فإنمـــــــا **** مفاتيحه البيض الخفاف الصــــــوارم
نثرتهم فوق الأُحَيدب كلـــــــــــــه **** كما نثرت فوق العروس الـــــــدراهم

تدوس بك الخيل الوكور على الذرى**** وقد كثرت حول الوكور المطـــاعم
تظن فراخ الفتخ أنك زرتهــــــــــا **** بأماتها وهي العتاق الصــــــــلادم
إذا زلقت مشيتها ببطونهــــــــــــا **** كما تتمشى في الصعيد الأراقـــــم
أفي كل يوم ذا الدمستق مقـــــدم **** قفاه على الإقام للوجه لائـــــــــــم
يسر بما أعطاك لا عن جهالـــــــة **** ولكن مغنوما نجا منك غـــــــــــانم
ولست مليكا هازما لنظيــــــــــره ***** ولكنك التوحيد للشرك هــــــــــازم

التعريف بالشـــاعر :
الشاعر هو أبو الطيب أحمد بن الحسين الكوفي الكندي ( 303 – 354 هـ ) المعروف بالمتنبي ولد سنة 303 هـ بمحلة كندة بالكوفة ، وتربى فيها ولما بدت عليه أمارات النجابة أخذ العلم عن علماء الكوفة ثم انتقل إلى الشام ونزل بالقبائل البدوية فأخذ عنهم الفصاحة واستقام له الشعر.
وكان في المتنبي طموح جعله يتنقل كثيرا بين البوادي والحواضر يقصد العظماء واحدا بعد الآخر وكان من بين هؤلاء الذين اتصل بهم سيف الدولة الحمداني أمير حلب الذي قربه منه واصطحبه معه في رحلاته وحروبه، وظل المتنبي يسعد بتلك الصحبة ويتقلب في تلك النعمة حتى دس له بعض منافسيه عند سيف الدولة ، وأغضبوه عليه، ففر المتنبي إلى مصر ثم عاد بعدها إلى الكوفة ، ومنها رحل إلى فارس ثم عاد إلى العراق ، ولكنه قتل وهو في طريق عودته إليها سنة 354 هـ .
وللمتنبي ديوان يجمع الكثير من شعره الذي يدور حول المدح، والرثاء، والفخر، والهجاء ، والغزل ، والوصف والحكم .
كانت الحروب لا تكاد تهدأ بين دولة الحمدانيين ودولة الروم وكان من المعارك التي خاضها سيف الدولة ضد الروم معركة ( الحدث ) تلك التي يرجع سببها إلى أن الروم استولوا على ثغر من ثغور الدولة العربية يسمى ثغر الحدث ، وأرادوا هدم القلعة التي كان قد بناها به سيف الدولة فخرج الأمير الحمداني في سنة 343 هـ ولقي الروم في معركة طاحنة وقتل وأسر الألوف من جنودهم وانتهت المعركة بهزيمة منكرة لجيش الروم ، ونصر مبيت لسيف الدولة الذي أقام بعد ذلك بثغر الحدث حتى أعاد بناءه وأتم بناء قلعته. وكان المتنبي قد شهد تلك المعركة بنفسه، وأعجب ببطولة سيف الدولة ، فقال قصيدة رائعة سجل فيها أحداث تلك المعركة ومدح فيها سيف الدولة التي منها هذه الأبيات.

يتبع بإذن الله وعونه

رشيد عباز
06-04-2007, 20:51
إيضـــاح وتحليل

المتنبي من شعراء الحكمة المجيدين , يعبر بها عن تجاربه ويبثها في شعره وها هو قد استهل قصيدته ببيتين ضمنهما حكمته وفلسفته حيث يقول : أن الأمور تأتي على قدر فاعليها , وتقاس بمقدار همم أصحابها فعلى قدر ما يكون عندهم من تأكيد النية , والجد في الأمور تكون الإرادة الصلبة والعزائم قوية , وعلى قدر ما يتمتعون به من كرم النفس تكون الأفعال الكريمة ولذا نرى الناس يختلفون في النظر إلى الأمور ، فخائر العزيمة ضعيف الهمة يستعظم الشيء الصغير , ويرتضي الوضع الحقير , بينما صاحب الهمة العالية والنفس الكريمة يستصغر ما عظم من الأمر , ويأتي كل المكارم والمحامد .
ثم أعقب الشاعر حكمته ببيتين ضمنهما أن سيف الدولة من هذا الصنف العظيم الذي يتمتع بالإرادة الغلابة , والطموح لنيل أعلى مراتب الشرف والكرامة , ولذا فإنه يحمل جيشه على تحقيق ما تصبو إليه همته من الغزوات والفتوحات التي طالما عجزت عن مثلها الجيوش الكثيرة لأنها كانت تفتقد مثل همة سيف الدولة الذي يريد ممن يكون معه إن يكون مثله صلب العزيمة بعيد الهمة , وذلك أمر في الناس نادر وعجيب إذ انه لا تدعيه الأسود , فكيف يمكن وجوده في مجتمع البشر؟
ثم أعقبهما ببيتين آخرين أشاد فيهما بما فعله سيف الدولة بجيش الروم ولم يتوقف هذا عند الشاعر بل ها هي النسور تقول لأسلحته نفديك بأنفسنا لأنها كفتها التعب في طلب القوت ، وحتى أن هذه النسور لو خلقت بغير مخالب لما ضرها ذلك لأن سيوفه تغنيها عن طلب الصيد لكثرة قتلها الأعداء فلا تحتاج إلى المخالب.
وفي الأبيات الموالية يتحدث المتنبي عن قلعة الحدث بين الروم والعرب فيقول متسائلا : هل تعرف لون قلعة الحدث الذي كانت عليه قبل أن تلونها دماء الأعداء ؟ هل تعرف حقيقة ما أمطرها أهو الغمام أم الجماجم ؟ لقد كانت من قبل تسقى بمطر السحاب حتى إذا كان يوم المعركة سقيت بدماء الأعداء التي سالت عليها كما يسيل ماء المطر . إن هذه القلعة بناها وأعلى بناءها سيف الدولة , ورماحه تحطم رماح العدو , والقتل يتزايد حولها حتى كان المنايا بحر متلاطم الأمواج . وبعد أن كانت الحدث تعيش بسبب غارات الروم في اضطراب وفتنة أصبحت ساكنة وهادئة , إذ علق سيف الدولة على حوائطها جثث القتلى من الروم كما تعلى التمام على المصابين بالمس والجنون , فيهدءون في زعمهم لقد كانت كالطريدة تطاردها أحداث الدهر , وتتوالى عليها غارات الروم حتى قيضك الله - يا سيف الدولة - لها فدفعتهم عنها برماحك وأبقيت لها وجهها العربي وقهرت الزمن , وإنه لمن الغريب أن يطمع هؤلاء الأعداء من روم وروس في هدمها ولها من وسائل الدفاع وقوة الحماية ما يشبه أسسها ودعائمها متانة وقوة
ثم ينتقل الشاعر ويتحدث الشاعر عن قوة الاستعداد , ووفرة العدد في جيش الروم موجها قوله إلى سيف الدولة فيقول : لقد جاءك الأعداء في جيش تحمال فيه الخيول فرسانا مدججين بالسلاح لابسين الدروع , تغطي أسلحتهم ودروعهم قوائم الخيل حتى ليظنها الرائي خيولا بلا قوائم . وإذا سطعت الشمس على هؤلاء الجنود لمعت أسلحتهم ودروعهم وخوذهم , ولم يستطع من يراها أن يميز السيوف من غيرها ,إنهم جاؤوا في جيش كثير العدد , يدل في ذلك على أن زحفه يملأ فراغ الأرض شرقا وغربا وأن أصوات رجاله تصل إلى الجوزاء في السماء وأنه قد جمع فيه أجناس من الناس يتحدثون بلغات شتى ، ويستعينون في تفاهمهم بالترجمة , وما أعجب ذلك اليوم الذي تميز فيه الجيد من الرديء , حيث لم يثبت في تلك المعركة إلا كل سيف صارم , وكل بطل شجاع , بينما تحطم من السيوف ما لا قدرة له على قطع الدروع والرماح , وفر من الفرسان ما لا قدرة له على قطع الدروع والرماح .
ويمدح سيف الدولة فيقول له : لقد وقفت في ساحة القتال في وقت تتخطف فيه المنايا الأبطال من حولك , والموت يحيط بك ، لكن رباط جأشك , وثقتك بالله وبنفسك جعلت عناية الله ترعاك ، والموت يتخطاك كأنك في جفنه وهو غافل عنك فسلمت ولم يصبك سوء , على حين كان الإبطال من جند العدو يمر بك وقد ولوا منهزمين ، أوهنتهم جراحهم , واصفرت وجوههم , أما أنت فقد كنت ثابتا مشرق الوجه , باسم الثغر , ولقد أتيت من ضروب الإقدام , وأظهرت من الجرأة , ورسمت من الخطط ما لم يكن يتصوره عقل حتى قال عنك بعض الناس أنك تعلم الغيب وتعرف أن النصر لك . لقد هجمت على جنود العدو هجمة قوية مذهلة اختل بسببها نظامهم , واختلطت أقسامهم , واشتدت وطأة الهجوم عليهم فهلكوا جميعا , حيث لم تكن منك إلا حملت بالسيوف هوت على رؤوسهم , وما كادت السيوف تصل من رؤوسهم إلى نحورهم حتى تحقق لك النصر السريع الساحق عليهم .
وكان من دلائل شجاعتك وبطولتك أنك تركت الرماح لأنها تضرب من بعيد , وعمدت إلى السيوف التي تقتضي قربا والتحاما بالعدو , فأعليت بذلك شأن السيف وحقرت شأن الرمح حتى لكان السيف يعير الرمح بقلة نفعه وجدواه .
وليس في ذلك من عجب فإن من يطلب النصر العزيز والفتح المبين ليس له من سبيل إلى تحقيق غايته سوى التسلح بالسيوف القاطعة وبأكثر الأسلحة فعالية أو إيجابية .
لقد طرحت جثث القتلى من الأعداء فوق جبل الأحيدب مبعثرة في نواحي الجبل كما تبعثر الدراهم على رأس العروس ليلة الزفاف . ولقد تتبعت أعداءك في رؤوس الجبال حيث توجد أعشاش الطيور الجارحة فقتلتهم هناك وتركتهم طعاما للطير حول وكورها . ولقد ظنت فراخ العقبان حين رأتك تصعد الجبال بتلك الخيول انك جئتها بأماتها لأنها رأت الخيل سريعة منقضة عليها
وكنت إذا زلقت خيلك في صعودها ذلك الجبل الوعر جعلتها تمشي زحفا على بطونها كما تزحف الحياة فوق التراب , حرصا على إدراك العدو وملاحقته .
وفي ختام النص يذكر الشاعر لسيف الدولة حال قائد جيش الروم وفراره فيقول :
إن قائد الروم كان يقدم ويحجم , وعند إحجامه كان الضرب يقع في قفاه مما يجعل قفاه يلوم وجهه على الإقدام الذي نال بسببه هذا الضرب . وإن هذا القائد الذي نجا من يدك , وفر من وجهك المسرور بما بذل من تضحيات , ويعد نفسه غانما لا عن جهل منه بقيمة الضحايا من أصحابه وأدواته ولكن لأنه غنم منك روحه وحياته . وأخيرا يعود المتنبي ليقول لسيف الدولة : أن هذه المعركة التي ألحقت فيها الهزيمة بالروم لا تعد معركة بين ملكين هزم احدهما الآخر و وإنما هي أجل من ذلك وأعظم لأنها معركة الإيمان والعقيدة , كنت فيها رجل التوحيد , وحامل لواء الحق وقائد رجاله , وكان عدوك فيها رجل الشرك والباطل , فقذف الله بحقك على باطل عدوك فدمغه فإذا هو زاهق , وإذا الشرك مندحر , والإيمان منتصر .

رشيد عباز
06-04-2007, 20:54
الدراسة الادبية :
هذا النص يندرج تحت غرض الشعر الحماسي الذي انتشر في العصر العباسي , وهذه القصيدة للمتنبي تعد سجلا تاريخيا يضم مفاخر إمارة عربية صغيرة استطاعت بفضل أميرها وقائدها أن تذيق إمبراطورية عظيمة ويلات الحرب , وتجرعها كأس الهزيمة , وتحول دون مطامعها التوسعية . والمتنبي شاعر العروبة النابه الذي حضر مع سيف الدولة معركة الحدث وأعجب بالأمير فأنشد في تلك المناسبة قصيدته هذه التي هي إحدى قصائده العديدة في سيف الدولة , وقد بدأها في ببيتين في الحكمة يمجد فيهما ذوي الطموح والمتطلعين إلى تحقيق الآمال العريضة , ولعله في ذلك يشبع رغبة في نفسه لأنه كان من أولئك الذين لا حد لطموحهم , ثم تناول بعد ذلك وصف قلعة الحدث وما تعرضت على أيدي الروم , وما نالته على يد سيف الدولة , ثم انتقل إلى وصف جيش الروم في زحفه , ما كان عليه من استعداد كامل وعدد هائل , ثم تحدث عن شجاعة سيف الدولة وبطولته وحسن تخطيطه للمعركة وصور المعركة ثم صور المعركة تصويرا واقعيا استمده مما رآه رأي العين و وانتهى إلى الحديث عن قائد جيش العدو الذي لاذ بالفرار , والأفكار على هذا النحو مرتبة منسقة , والمعاني عميقة دقيقة , واضحة مؤتلفة , تدل على قدرة الشاعر الفائقة في جمع الأفكار والتنسيق بينها في نسق رائع , ونظم جميل وإذا كان بعض هذه الأفكار قد جاء قديما مطروقا فإن بعضها تبدو طرافته وجدته كما في قوله :
بضرب أتى الهامات والنصر غائب وصار إلى اللبات والنصر قادم
خميس بشرق الأرض والغرب زحفه وفي أذن الجوزاء منه زمازم
ولئن كان الشاعر قد لجأ إلى المبالغة أحيانا كما في قوله " بجياد ما لهن قوائم " " تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى " " إذا زلقت مشيتها ببطونها " فإن ذلك أمر مقبول منه لا يفسد المعنى بل يستدعيه المقام
وكان من الجميل فيما عرضه الشاعر تصويره جيش العدو في قوته وكثرته ليجعل بعد ذلك انتصار سيف الدولة عليه شيئا ينطوي عل العظمة ويدعو للفخار
وإنه ليتجلى لنا حين نتأمل النص أن الشاعر كان يعبر عن انفعال صادق وعاطفته جياشة بحب سيف الدولة , والإعجاب به والفرحة بالنصر ورد كيد العدو .
وهذا يمكننا أن ننتهي إلى أن الشاعر بقصيدته هذه كان ابن مجتمعه وعصره يعبر عنهما , ويعكس ما يجري فيهما على مرآة شعره .
الدراسة البلاغية :
عندما نتأمل أسلوب النص نرى أنه جمع بين الأساليب الخبرية والإنشائية بحسب ما يقتضيه المقام , غير أن الأسلوب الخبري كان هو الغالب على النص , وقد قصد منه معظم الأحيان المدح والتعظيم , ولعل الميل إلى الأسلوب الخبري راجع إلى أنه أنسب لمثل هذا الموقف الذي يقف المتنبي ليصف ويمدح عن طريق عرض المشاهد وسرد الصفات كما أن الشاعر أعطى كل معنى ما يلائمه ولذلك نرى أنه عمد إلى التقديم الذي يدل على الاهتمام , في قوله " على قدر أهل العزم تأتي العزائم " , كما نراه حين أراد أن يمتدح السيوف جعلها وحدها حتى تأتي بالنصر , واستعمل لذلك أسلوب القصر في كلمة : إنما في قوله " إنما مفاتيحه البيض " , فالشاعر قصر النصر على السيوف دون غيرها بكلمة إنما التي تقدمت في الجملة .
أما الخيال في النص فقد جاء صافيا يصور المعاني , ويوضح الأفكار , وقد تنوعت فيه الصور بين واقعية مستمدة من واقع المعركة ومشاهدة الشاعر كتلك التي يصور بها جيش الروم والتي يصف بها الدولة ، وبين خيالية من تشبيه واستعارة وكناية .
وكان التشبيه في قوله : " نثرتهم فوق الأحيدب نثرة كما نثرت فوق العروس الدراهم " وغيره من التشبيهات الجميلة التي تبرز المعنى وتوضحه , وإن كان هذا التشبيه الأخير قد اعترض على الشاعر فيه بأن طرق التشبيه غير متلائمين
وجاءت الاستعارة في كثل قوله : " هل الحدث الحمراء تعرف لونها " " موج المنايا حوله متلاطم " " أذن الجوزاء " " جفن الردى " " السيف للرمح شاتم " وبالنص كثير غير ذلك من أساليب الاستعارة التي تقوي المعنى وتثبته
وجاءت الكناية بوفرة في النص مثل قوله : " أتوك يجرون الحديد " فهو كناية عن قوة العدة وكثرتها , وقوله : خميس بشرق الأرض والغرب زحفه " , " في أذن الجوزاء زمازم " فهما كنايتان عن كثرة الجيش . وقوله : " ضمت تموت الخوافي تحتها والقوادم " و فهو كناية عن قسوة هذه الضمة على الأعداء , إلى غير ذلك من الصور البيانية التي حفل بها النص , وساعدت على تبيين المعنى وتأكيده في الذهن ؟
هذا وقد قلت في النص المحسنات البديعية , لأن المتنبي لم يكن من شعراء الصنعة , ولذا فإن ما جاء في الأبيات من ألوان البديع كان حسن الوقع لأنه غير مقصود ولا متكلف , كالمقابلة التي نجدها في البيت الثاني , والطباق في مثل : " ساقها فرددتها " " والخوافي والقوادم "
إما عبارة النص فكانت جزلة رصينة تناسب الغرض , وتجانس الأفكار , فقد اختار الشاعر لكل فكرة ما يلائمها من الألفاظ والكلمات ، ومن أمثلة ذلك أنه عند وصف المعركة استعمل كلمات : الحديد الجياد , خميس , زحف صارم , الفرسان . وعند المدح أتى بألفاظ : وضاح , باسم , بالغيب عالم , النصر قادم . وعند حديثه عن قائد الروم أتى بكلمات قفاه لائم , مغنوم . وهكذا وضع الشاعر كل لفظة في المكان الذي توحي فيه بما يناسب المضمون و ويعبر عن المقصود .
والقصيدة من بحر الطويل ، وأجزاؤه :
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن ***** فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن

دعواتكم الصادقة أخوكم الأستاذ رشيد عباز

رشيد عباز
06-04-2007, 22:27
الأخت الكريمة قطر الندى
حياك الله ، ووقاك ، وأدام سعادتك وهناءك، مرورك أسعدني وأثلج صدري ، فهو تشجيع نعتز به .
أما طلبك سأحاول جاهدا أن أنفذه رغم ظروف العمل ، ونحن مع نهاية الموسم الدارسي الذي لم يبق منه إلا القليل.
تأكدي أيتها الأخت ، هذا وعد مني ، وبداية تنفيذه قد بدأت بشرح وتحليل قصيدة المتنبي : على قدر أهل العزم تأتي العزائم. فهي موجودة بقسم اللغة العربية.
تحياتي الخالصة / أخوك.

ابو شذا الغامدي
06-04-2007, 22:31
بارك الله فيك أخي رشيد

والله ذكرتني بأيام الكلية

الله يذكرك الشهادة

قوول آمين

لك جزيل الشكر والتقدير

رشيد عباز
06-04-2007, 22:36
أخي الكريم أبو روان.
حياك الله ، وأمدك بطول العمر ، ومن لا يريد أن يذكره الله في الشهادة ؟ لك كل الشكر والتقدير على مرورك الطيب .
تقبل تحياتي الأخوية الخالصة أخوك .

مجبووور--
07-04-2007, 22:44
يا اخي انت رائع

عالي الهمة
08-04-2007, 15:50
الله يعطيك العافيه

أجدت أخي الكريم !

رشيد عباز
08-04-2007, 16:18
جزيل الشكر للجميع على مرورهم الطيب

رشيد عباز
10-04-2007, 23:38
.,f:
أخي الزائر الكريم
" في رحاب الأدب " تقول لك :
يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا ***** نحن الضيوف وأنت رب المنزل
فهي صفحتك لك ومن أجلك ، فلنجعل منها منبرا للتواصل، والحب والعطاء ، نلتقي فيه لنعيش لحظات في جو الكلمة المعبرة ، والذوق الرفيع والإحساس الفني الصادق.
" في رحاب الأدب " نريدها شمعة جديدة تضيء سماء هذا الصرح العظيم وأن تكون ميدانا تتصافح فيها الأفكار ، ففي تصافحها علو هممنا ، ودليل على سمونا الروحي والفكري وعلى أننا أهل لذلك الإرث العظيم الذي تركه أسلافنا .
" في رحاب الأدب " صفحة جديدة، بل قل همزة وصل جديدة فليكن شعارنا فيها جميعا " على الخير والحب، والإخاء نلتقي " .
فالله الله لنا ولكم نسأل دوام التوفيق والسداد والرشاد ، وأن نكون منائر علم وهداية لا معاول هدم وغواية ، وأن يجعلنا خير خلف لخير سلف، إنه سميع مجيب. وعليه نتوكل.

رشيد عباز
11-04-2007, 21:19
.,f:
أيها الأحبة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنت قد تناولت في موضوعي السابق قصيدة من قصائد أبي الطيب المتنبي ، لماذا المتنبي بالذات ، وقد سبق أن شرحت الأسباب ، ولا أخفي عليكم إن قلت كذلك لشدة إعجابي بالمتنبي وشعره ، في حكمه ، وأسلوبه ، وطموحه ....
واليوم جئتكم بموضوع آخر ، فإن كان المتنبي من العصر الذهبي للأدب العربي، والحضارة العربية ككل.
أما شخصية اليوم فهي ميخائيل نعيمة ،وهي كذلك علم من أعلام أدبنا العربي الحديث ، وخاصة الأدب العربي في المهجر. فقد أبدع في جميع الفنون : النقد، الشعر ، القصة ، المسرحية ، السيرة الذاتية ، المقال ،...............،
ولا أطيل عليكم النص الذي أخترته اليوم فهو مهم وله فيما أرى قيمة كبيرة وإليكم النص أولا :

النص :
((كل ما في الطبيعة ثمين جميل شريف ، ولكن أثمنه وأشرفه على الاطلاق هو الانسان .. لقد تواضع الناس على أثمان للأشياء التي يحتاجون إليها في حياتهم ، وهذه الأثمان ترتفع بالنسبة لكثرة الشيء و قلته و الحاجة إليه ، ويندر أن تقع على شيء لا قيمة له البتة في نظر الناس ، أما العامل الذي يحتاج إلى عمله معمل من المعامل التي تنتج الأشياء ، فقيمته لا شيء .
.. إني أنكر على الناس أن يجعلوا العمل أثمن من العامل ، والحاجة أغلى من المحتاج إليها ، و أنكر على المدينة أن تسوق الملايين من أبنائها إلى حتوفهم على رغم أنوفهم وذلك تحت ستارالدفاع عن حياضها المسمومة ، وبنيانها المتصدع ، ومتى أصبح المورد أثمن من صاحبه أو وارده ، والبنيان أهم من بانيه أو ساكنه ، فألف سلام على المورد و وارديه ، وعلى البنيان وساكنيه .
... لعل أفضع ما يحتمله الانسان من الانسان هو الذل . فالذل أبشع وجها من الكبرياء ، و أمر مذاقا من الفقر و أثقل وطأة من المرض ، و أقسى نابا من الموت ، ولعل أفظع الناس في عقيدتي هم الذين يعتزون بمذلة الغير ، فلا يسرهم شيء مثلما يسرهم أن يعفر الناس لديهم جباههم و أن يزحفوا إليهم على الأكف والركب ، وأن يحرقوا لهم البخور صباح مساء.
ولعل أنبل الناس في عقيدتي هم الذين لا يذلون إنسانا ، ولا يذلون الأنسان لأنهم يعلمون أن رفعة تنهض على أكتاف الذل لمذلة أحط من الذل )).
ميخائيل نعيمة

ما نتناوله بإذن الله :
1 - التعريف بصاحب النص تعريفا موجزا .
2 - توضيح فكرته العامة.مع إبراز الأفكار الأساسية ومناقشتها.
3 - خصائص أسلوب النص مع التعليل والاستدلال.
4 - نظرة الكاتب إلى بني جنسه ومنابع أفكاره.

رشيد عباز
11-04-2007, 21:37
ميخائيل نعيمة أديب لبناني الأصل، عاش جزءا هاما من حياته في المهجر الأمريكي، نزعته الإنسانية جعلته يدافع عن حق الإنسان في الحرية والكرامة بغض النظر عن لونه وعقيدته وجنسيته، عكست هذه النظرة مختلف مؤلفاته ، والنص الموجود بين أيدينا دليل على ذلك.
فهو من مواليد 1889 بقرية كنتا بلبنان بدأ دراسته بقريته ، ثم التحق في أوائل القرن الماضي بمدرسة الناصرة بفلسطين حيث قضى أربع سنوات وأرسل بعدها في بعثة إلى روسيا فدرس خمس سنوات في كلية ( بولتافا ) . هاجر إلى واشنطن عام 1911 م فدرس الحقوق والأدب حتى عام 1916 انتقل إلى نيويورك حيث تعرف على أدباء مهجريين ساهم معهم في تأسيس الرابطة القلمية عام 1920 م وشارك في نشاطها بالشعر والقصة والمسرح ، جميع فنون المقال ، فقد أبدع في جميع فنون الإبداع . رجع إلى لبنان واستقر في قريته حتى توفي 1988م من آثاره : همس الجفون ، الأباء والبنون، زاد الميعاد، في مهب الريح ، وسيرته الداتية : سبعون ، وكتابه الشهير الغربال.
فكرة النص العامة هي : الإنسان أشرف ما في الطبيعة وأثمن، مما يستوجب تكريمه.
لقد خلق الله الإنسان وكرمه، وفي رأي الكاتب أنه لا يمكن مساواة الإنسان بأي مخلوق آخر، كما لا يمكن مساواته بأية مادة باعتباره أشرف المخلوقات وأفضلها لأن الإنسان مادة وروح، عقل ووجدان، سخر له الله الكثير من الكائنات لخدمته، كما أوجده ليعيش عزيزا لا ذليلا.
- احتوى النص على أربع أفكار أساسية هي :
- قيمة الإنسان العامل فيما ينتجه من عمل مفيد. ( كل ما في الطبيعة ...... فقيمته لا شيء ).
- تنديد الكاتب بتفضيل المادة على الإنسان . ( إني أنكر ......... وساكنيه ).
- رفض الكاتب الذل ومحاربة من يمارسه ( لعل أفظع .. مساء ).
ثناؤه على أعداء الذل ( لعل أنبل ...... من الذل ) .
النص مقالة اجتماعية تناول فيها الكاتب تلك النظرة الخاطئة التي يتبناها البعض. والتي تسوي قيمة الإنسان بقيمة المادة في حين أن الإنسان أفضل المخلوقات ، يهدف الكاتب إلى توضيح هذه النظرة ورد الاعتبار للإنسان.
ولمناقشة الأفكار أقول أنها أفكار صحيحة تعبر عن نزعة الكاتب الإنسانية، واضحة وضوح رؤيته سهلة الاستيعاب ، وكان من الواجب على الإنسان ألا يفرق بين هذا وذاك في لون أو جنس ، وإنما التفاوت يكون فيما يقدمه هذا الشخص للإنسانية من عمل يخدمها به ، فنظرة الكاتب صائبة تتفق مع نظرة ديننا الحنيف وإن كان ديننا قد سبق إليها بقرون يقول الله تعالى ( ولقد كرمنا بني آدم ..... ) ، وإن كنا اليوم في عصر ضاعت فيه القيم وصارت قيمة الإنسان سلعة تباع وتشترى بأبخس الأثمان ، ومهما يكن الأمر يبقى الإنسان بروحه وجسمه وهو أكرم وأحب مخلوق عند الله.
وأرى أن ما طرحه الكاتب من أفكار يتقبلها العقل والمنطق ، وتخدم مصلحة الإنسان.
اتسم النص بخصائص منها :
- الترادف بغرض التأثير مثل : فالذل أبشع وجها ... أمر مذاقا ..وأثقل وطأة وأقسى نابا.
- استعمال أسماء التفضيل مما يدل على انفعال الكاتب واتخاذ موقف من القضايا التي تناولها.
- وضوح الألفاظ وسهولتها وهي خاصة وثيقة الصلة بالنثر الاجتماعي لأنه موجه إلى العامة.
- طغى على النص الأسلوب الخبري لأن الكاتب في موطن سرد الحقائق ومن ذلك قوله ( لقد تواضع الناس ...... في حياتهم ) وغرضه تقرير الحقيقة المتضمنة في القول وتأكيدها.
- وظف بعض الصور البيانية منا : التشبيه( فلا يسرهم شيء مثلما يسرهم أن يعفر الناس جباههم ) وهو تشبيه يعبر عن نفسية هؤلاء الناس عندما يرى غيره يتعذب ، ومن التشبيهات ( ستار الدفاع ) بطريقة إضافة المشبه إلى المشبه به.
ووظف الاستعارة في عبارات عدة منها : ( أثمان ترتفع وتنخفض ) شبه الأثمان بشيء مادي فحذفه وترك ما يدل عليه ( الارتفاع والانخفاض ) .
ومن الكنايات : ( وأن يحرقوا له البخور صباح مساء ) كناية عن صفة وهي الخوف والخضوع.
ألوان البديع في النص قليلة ورد منها الطباق في قوله  كثرة، قلة) ، (صباح ، مساء ) ، والجناس الناقص : ( حتوف ، أنوف ) والسجع الخفيف وهو قليل في قوله ( تسوق الملايين من أبنائها إلى حتوفهم على رغم أنوفهم ) و هي محسنات ساهمت في إضفاء مزيد من الأناقة على الأسلوب..
نظرة الكاتب إلى بني جنسه نظرة متعاطف ومدافع عنهم، فهو يرى أن الإنسان أحق مخلوق بالتكريم والتبجيل، لذلك طالب البشرية بأن تحمي الإنسان من كل ألوان الذل حتى يعيش عزيزا كريما.
أما منابع أفكاره فهي :
- ثقافته الخصبة التي شكلتها مطالعته الكثيرة في التراث الإنساني وفي التراث العربي الإسلامي، الذي يدعو إلى تكريم الإنسان.
- فلسفته في الحياة والمدرسة الرومانسية التي ينتمي إليها.
سخر الأديب ميخائيل نعيمة قلمه لخدمة قضايا الإنسان في كل مكان ، ومن ثم فهو كاتب ملتزم ساهم في تنمية الوعي الإنساني بضرورة التعايش السلمي بين البشر، كما هاجم الاستعباد والاستذلال لأنهما امتهان لكرامة الإنسان الذي خلق ليعيش حرا طليقا.

مع أجمل الأمنيات للفائدة والاستفادة

قطر النَّـدى
13-04-2007, 20:33
جزاك الله خيرًا أستاذنا الفاضل ..
اختيارات جميلة من الأدب العربي ..
وتحليل رائع ..

نسأل الله أن يجعل ما تقوم به في ميزان حسناتك ..

رشيد عباز
13-04-2007, 21:48
الأخت قطر الندى
حياك الله ، أسعدني كثيرا مرورك.

رشيد عباز
17-04-2007, 22:32
كنا قد تناولنا في موضوعنا السابق ميخائيل نعيمة وهو أحد أعلام الأدب العربي في العصر الحديث ، واليوم سنواصل وقفاتنا مع علم آخر من أعلام اللغة العربية وهو العالم الجليل محمد البشير الإبراهيمي الغني عن كل تعريف مغربيا ، ومشرقيا.
الموضوع الذي اخترته له، هو موضوع اجتماعي مهم ، وهو الشغل الشاغل للكثير من الشباب في هذا الوقت بالذات، أترككم مع النص أولا، ثم سنشرع في تحليله بإذن الله وتوفيقه.

النص :
(( الصداق إكرام من الرجل للمرأة، ووصلة بين قلبيهما، وتوثيق لعرى المحبة بينهما، وتأنيس يسبق العشرة المستأنفة، وبريد يحمل البشرى بالقرب،. فإذا أدخلناها في باب الأثمان والقيم، لم يبق إلا أن نسمي الزوجة بائعة ، والزوج مشتريا، والخاطب سمسارا. والشريعة المطهرة لم تحدد في الصداق حدا أدنى ، ولا حدا أعلى ، لأن الناس طبقاتك فقراء، وأغنياء، وبين ذلك .
والدين مع هذا الإطلاق في الصداق، قد ندب الناس على التيسير، ونهى عن التشديد والتعسير في الزواج حتى تتيسر إقامة هذه السنة الفطرية على جميع الناس
إن المغالاة في المهور أدت إلى كساد بناتنا وإعراض أبنائنا عن الزواج، واندفاعهم في الرذائل يعين عليها الزمان والشيطان. فعلى المسلمين أن يقتلوا هذه العوائد الفاسدة، وأن يعتبروا في الزواج حسن الأخلاق لا وفرة الصداق )).

وسنتناول في تعاملنا مع هذا النص الجوانب التالية:
1 – التعريف بصاحب النص تعريفا موجزا.
2 – استخراج الفكرة العامة والأفكار الأساسية.
3 – شرح النص شرحا أدبيا بإيجاز.
4 – دراسة أفكار وأسلوب النص.

رشيد عباز
17-04-2007, 23:20
1 – التعريف بالكاتب :
هو الشيخ محمد البشير الإبراهيمي من رواد الإصلاح في الجزائر ، ولد بقرية أولاد براهم ولاية برج بوعريريج سطيف سابقا سنة 1889م حيث تلقى علومه الأولى، وفي عام 1912 التحق بأسرته المهاجرة قبل ذلك بالمدينة المنورة ، فمكث بها خمس سنوات يغرف من علمائها ومكتباتها، ثم رحل إلى دمشق وعين أستاذا في المدرسة السلطانية مدة ثلاث سنوات، ثم عاد إلى الوطن حيث أسس رفقة الإمام عبد الحميد بن باديس ( جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ) وكرس باقي حياته مناضلا داخل الوطن وخارجه في إحياء الثقافة العربية الإسلامية وتحرير البلاد من نير العبودية والظلم ، توفي سنة 1965 ومن أثاره عيون البصائر ، وأثار الإبراهيمي في أربعة أجزاء .
2 – الفكرة العامة للنص : المغالاة في المهور.
الأفكار الأساسية :
1 – مفهوم الصداق والحكمة منه.
2 – دعوة الإسلام إلى التيسير في الصداق.
3 – عواقب المغالاة في المهور.
3 – شرح النص :
تناول الكاتب في هذا النص مشكلة اجتماعية استفحلت كثيرا في مجتمعنا وهي الغالاة في المهور. ففي الفقرة الأولى حدد الكاتب مفهوم الصداق – الذي يعتبر ركنا من أركان الزواج – وبين أن الزوج يدفعه لزوجته مقابل الاستمتاع بها، وهو ( الصداق ) بمثابة الميثاق الذي يعطيه الرجل للمرأة لتهيئة ظروف السكن الروحي بين قلبيهما، وإيجاد روابط المودة والرحمة بينهما، وليس الصداق صفقة تجارية، يكون أطرافها البائع والمشتري، والسمسار، فالدين الإسلامي لم يحدد مقداره وإنما ترك ذلك حسب ظروف الرجل من الغنى والفقر، وما ترضى به نفسه أن يدفعه عن طيب خاطر .
أما في الفقرة الثانية فقد أكد الكاتب أن الشريعة الإسلامية لم تحدد مقدار الصداق وإنما تركت ذلك حسب ظروف الإنسان المادية غير أنها ( الشريعة ) دعت إلى التيسير، ونهت عن المغالاة حتى يتسنى لكل شاب أداء هذه السنة واستكمال نصف دينه.
وفي الفقرة الأخيرة بين الكاتب عواقب المغالاة في المهور والممثلة في عزوف شبابنا عن الزواج مما أدى إلى كساد بناتنا، وبالتالي انتشار الفاحشة، وتفشي الانحلال الخلقي. وختم الكاتب نصه بدعوة جميع المسلمين إلى محاربة هذه الظاهرة ( غلاء المهور ) التي تهدم المجتمعات. فالمعيار الحقيقي في الزواج استقامة الأخلاق لا كثرة المال .

رشيد عباز
18-04-2007, 00:11
دراسة الأفكار :
النص من النثر الاجتماعي الهادف إلى بناء مجتمع سليم عن طريق تهذيب النفوس، وتربية الشباب وتوعيته، وهذا اللون من النثر الفني نشأ في العصر العباسي، وانتشر كثيرا في العصر الحديث، لحاجة المجتمعات العربية إليه والتي كانت تعيش ظروف المسخ التي فرضها عليها المستعمر .
أفكار النص مرتبة ترتيبا منطقيا حيث بين مفهوم الصداق والهدف منه، ثم عرض موقف الشريعة الإسلامية من القضية، وخلص إلى عواقب المغالاة في المهور . وهي أفكار كما ترى متجانسة فيما بينها تهدف إلى محاربة هذه الظاهرة السلبية وتكوين مجتمع قوي متماسك .
والأفكار إلى جانب ذلك واضحة لا غموض فيها تفهم بيسر بعد معرفة معاني بعض الألفاظ الصعبة.وهي أفكار قديمة استمدها الكاتب من الشريعة الإسلامية السمحة، ورغم الإيجاز الذي اتسمت به، فإنها استوفت المعاني المقصودة.
العاطفة :
تبدو عاطفة الكاتب هادئة رزينة خاضعة للعقل، وهي عاطفة حب الخير للمجتمع والإخلاص في توجيهه. وهي عاطفة صادقة، لأن الكاتب كرس حياته لإصلاح مجتمعه وتوعية أفراده، والقارئ للنص يتأثر به ويتجاوب معه ويعجب بما فيه من واقعية .
دراسة الأسلوب :أسلوب الكاتب قوي جزل، وهو ما يكشف عن أصالة ثقافته، وعن قدرته على التعبير الجميل عما يريد بعبارات قوية واضحة : ( وصلة قلبيهما )،و ( بريد يحمل البشرى بالقرب ) .
أما ألألفاظ فكانت مختارة ملائمة موحية بالمعاني، من ذلك ( الوصلة ) التي توحي بالاقتران، و( عرى ) الموحية بروابط المودة والرحمة التي تجمع بين الزوجين.
أسلوب النص كله خبري وغرضه النصح والإرشاد ويدل على رغبة الكاتب الملحة في إصلاح المجتمع وتهذيبه. كما أن أسلوب الكاتب مليء بالصور البيانية، والمحسنات البديعية،فهو : امتداد لمدرسة الصنعة اللفظية، التي تهتم باختيار الألفاظ وتجويد العبارة، والاحتفاء بالبيان والبديع، لكنه لا يهمل المعنى على حساب المبنى .
فمن الصور الكثيرة ( توثيق لعرى المحبة بينهما ) فهي استعارة مكنية حيث جعل المحبة شيئا ماديا له عرى فحذف المشبه به وأبقى شيئا من لوازمه " عرى " على سبيل الاستعارة المكنية . وجمال هذه الصورة أنها تجسد المعنوي في صورة محسوسة، والاستعارة أيضا في قوله : " على المسلمين أن يقتلوا هذه العوائد " ومن الصور الأخرى التشبيهات البليغة المتتالية في قوله : " الزوجة بائعة " و " والزوج مشتريا " و" الخاطب سمسارا ".والكناية في قوله : بريد يحمل البشرى بالقرب وهي كناية عن صفة وهي المودة والرحمة بين الزوجين .
أما المحسنات البديعية فنجد الطباق بين : الرجل والمرأة ، وبين فقراء وأغنياء، وبين التيسير والتعسير، وبين بناتنا وأبنائنا، والمقابلة بين " حدا أدنى وحدا أعلى، والجناس الناقص بين : التيسير والتعسير، والسجع في قوله : حسن الأخلاق لا وفرة الصداق، وكل هذه المحسنات البديعية لها دور في تجميل العبارة وتقوية المعنى وتوكيده.

انتهى بحمد الله وإلى اللقاء مع شخصية جديدة إن شاء الله

رشيد عباز
26-04-2007, 18:41
أيها الإخوة الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنت في الموضوع السابق قد تناولت نصا من نصوص العلامة محمد البشير الإبراهيمي في موضوع اجتماعي له أهمية كبرى .
واليوم علي أن أعرج على تونس الخضراء البلد العربي المضياف لنقف للحظات مع شاعرها الكبير الذي خلده التاريخ بشعره الوطني الثوري مع أبي القاسم الشابي . ويكفيه أنه صاحب ديوان أغاني الحياة .
وها هو الشابي بين ايديكم في قصيدة " يا ابن أمي " أترككم مع القصيدة ولنا عودة بعد ذلك مع الشرح والتحليل .

النص:
خلقت طليقـــــــــا كطيف النسيم ***** وحرا كنور الضحى في سمـــــــاه
تغـــــــرد كـــالطير أيــــــن انــدفعت ***** وتشدو بما شــــــاء وحي الإلــــه
وتمـــــرح بين ورود الصبــــــــــــــاح ***** وتنعم بالنـــــــور أنى تــــــــــــــراه
كذا صاغك الله يا ابن الوجــــــــــود ***** وألقتك في الكون هذي الحيــــاه
فمــالك ترضى بذل القيــــــــــــــود ***** وتحني لمن كيلــوك الجبــــــــــاه
وتسكت في النفس صوت الحيـاة ***** القوي إذا مــــا تغنى صـــــــــــداه
وتطبق أجفـــــــــانك النيــــــــــرات ***** عن الفجر ، والفجر عذب ضيـــــاه
وتقنـــــع بالعيش بين الكهـــــــوف ***** فأين النشيد وأين الإيــــــــــــــــاه
أتخشى نشيد السمــــاء الجميل ***** أترهب نور الضحــــا في ضحـــــاه
ألا انهض وسر في سبيل الحيـــاة ***** فمن نـــــام لا تنتظره الحيــــــــــاه ما نتناوله إن شاء الله في دراستنا لهذا الموضوع :
1 - التعريف بالشاعر تعريفا موجزا.
2 - استخراج الفكرة العامة والأفكار الأساسية
3 - شرح النص شرحا أدبيا بإيجاز
4 - دراسة النص من حيث الشكل والمضمون.

يتبع بإذن الله وعونه.

رشيد عباز
04-05-2007, 06:10
التعريف بالكاتب :
أبو القاسم الشابي شاعر تونس ولد بقرية الشابية سنة 1909 م حيث تلقى علومه الأولى، فحفظ القرآن الكريم ودرس بجامع الزيتونة وانكب على دراسة دواوين الشعراء الرومانسيين فتأثر بهم. أصيب بداء تضخم القلب، وتوفي سنة 1934 وهو لا يزال في أوج عطائه الشعري ، ومن أثاره أغاني الحياة ، والخيال الشعري عند العرب ورسائل الشابي.
الفكرة العامة للنص : دعوة الشاعر إلى كسر القيود .
الأفكار الأساسية :
1 – الإنسان حر بالفطرة ( 1 – 4 )
2 – رفض الشاعر العيش في ظل الذل والتخلف ( 5 – 9 )
3 – الدعوة إلى النهوض والسير في سبيل الحياة ( 10 ) .
شرح النص :
يخاطب الشاعر في الفقرة الأولى الشعب المغلوب قائلا له : إن الإنسان حر بالفطرة، طليق كنفحات النسيم، ونور الضحى في السماء لا شيء يحبسه ويحده وعليه أن يتمتع بالحرية ، ويكسر القيود، وينعم بالنور والجمال ، هكذا خلقك الله أيها الإنسان وأتى بك إلى هذه الحياة.
وفي الفقرة الثانية يستنكر الشاعر رضى الإنسان بقيود الذل وأغلال العبودية، وحرم نفسه من الحياة الكريمة، قائلا له ،: كيف ترضى بالعيش في الظلام، وفي كنف القهر، وتقنع بذلك، فأين الكرامة والعزة والكبرياء؟ فلماذا تخشى حريتك، وتخاف من نورها ومن العيش في ظلها ؟.
ويختم الشاعر قصيدته بحث الإنسان إلى ممارسة الحياة الكريمة، وكسر القيود مهما كانت لأنه " من نام لم تنتظره الحياة .
دراسة الأفكار :
النص من الشعر الوطني التحرري الهادف إلى بعث العزيمة و الإرادة في نفوس الشعوب المقهورة ، و إزالة اليأس و الاستسلام ، وبعث روح التفاؤل بالعيش في ظل الحرية . وهذا الاتجاه جديد في الشعر العربي ، ظهر في العصر الحديث دعت إليه ظروف الاحتلال للبلاد العربية .
و أفكار النص ذات وحدة موضوعية ، متسلسلة ، شديدة التماسك و التلاحم ، فكل فكرة تؤدي إلى أخرى ، حتى أنه يصعب تقسيم النص إلى وحدات، حيث بدأها بأن الإنسان حر بالفطرة ، ثم استنكر عليه استسلامه ورضاه بالعبودية، ودعاه في الأخير إلى ضرورة ممارسة حقه في الحياة حرا كريما. فالأبيات جاءت كنسيج محكم مترابط الأجزاء لا يمكن تقديم أو تأخير بيت عن موضعه وهذا ما يسمى بالوحدة العضوية.
والأفكار إلى جانب ذلك سهلة واضحة تدرك بقليل من التأمل ،وهي عميقة عمق نفس الشاعر التي هامت بحب الوطن والطموحة إلى عيش الحرية والكرامة ، والعيش في ظل الحرية بعيدا عن أغلال وقيود الذل والهوان. وفي القصيدة مظهران من مظاهر التجديد :
المظهر الأول : القصيدة ذات طابع إنساني عالمي، فالشاعر يخاطب كل إنسان له ضمير ووعي أن يثور ضد العبودية، ويكسر القيود، لأن الإنسان حر بالفطرة (( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا )) .
المظهر الثاني : وظف الشاعر في قصيدته رموز الطبيعة وهي عادة الشعراء الرومانسيين ليبدع في صنع القصيدة فنلاحظ هذا الزخم من الرموز الطبيعية " طيف النسيم " نور الضحى " سماه، الطير، ورود الصباح، الفجر ، الضياء، الكهوف، نور الفضا....
العاطفة تتجلى في النص عدة عواطف لا شك في صدقها وقوتها، منها عاطفة الثورة على القيود والظلم والاستعباد لأن الشاعر عاش تحت نير المستعمر وطغيانه، وعاطفة التنكر لمن يرضى بالعيش بين الكهوف، وهي عواطف صادقة وقوية نحس صدقها وقوتها من خلال قدرة الشاعر على نقل تجربته إلينا جعلنا نشاركه فيها.، كما تتجلى في قوة التعبير بالصور لتجسيم المعاني.

يتبع بإذن الله وعونه

فتى السراة
01-08-2007, 15:09
جزاكم الله خيرأ

بداية النهاية
03-08-2007, 18:14
شكراً لك على المساهمة الطيبة في خصائص الشعر ومقوماته ..

بارك اللَّهُ فيك ..

وجزاك خيراً ..

ننتظر المزيد من المشاركات الهادفة ..

دمت للخيرِ دائماً ..

رشيد عباز
12-08-2007, 21:57
فتى السراة
أسعدني كثيرا مرورك ، مرحبا بك في هذه الصفحة المتواضعة

رشيد عباز
12-08-2007, 21:59
بداية النهاية
أسعدني كثيرا مرورك ، ردك شهادة نعتز بها

السعيد النجيب
22-08-2007, 11:25
يا اخي انت رائع

رشيد عباز
29-08-2007, 22:01
أخي الكريم السعيد النجيب
أسعدني كثيرا مرورك ، وشكرا جزيلا على كلماتك اللطيفة.

قلب بلا طبيب
03-09-2007, 17:49
مشكووووووووووووووووووووور

ابو منصور 44
13-09-2007, 12:50
مشكوووووووووووووور

رشيد عباز
14-10-2007, 11:33
قلب بلا طبيب
شكرا جزيلا على المرور ، وعيدك مبارك وكل عام وأنت بخير.

رشيد عباز
14-10-2007, 11:48
أبو منصور 44

حياك الله وشكرا جزيلا على المرور. وكل عام وأنت بخير

محمد172
09-11-2007, 14:11
لك جزيل الشكر ـ في موازين أعمالك أتمنى شرح قصيدة المسماة مقصورة ابن دريد

صبـــاح
13-11-2007, 19:46
بارك الله فيك على هذا العطاء المتميز

محمد172
14-11-2007, 14:11
لك مني جزيل الشكر ــــــــــــــــ أرجو منك شرح مقصورة ابن دريد

صبـــاح
14-11-2007, 16:13
ليتنا يا جماعة نتعاون في شرح القصائد

أحدكم يطرح قصيدة وكل واحد يدلو بدلوه

سـ2007ـاري
15-11-2007, 06:22
مشكورررر على المشاركات الجميلة

سكوون
15-11-2007, 08:52
مشكووووووووووورين

mrz
20-11-2007, 17:22
جزاك الله خير0

صغير ومظلوم
22-11-2007, 19:14
جزيت خيرا

صغير ومظلوم
22-11-2007, 19:16
ياأهل اللغة أريد قصيدة وطنية باللغة العربية الفصحى

ديمااا
23-11-2007, 18:59
جزاك الله خير أخي وبارك فيك وكثر من أمثالك
ولاحرمك الله الأجر

رشيد عباز
01-12-2007, 21:11
الأخت صباح
تحية طيبة أنا مع الفكرة لك خالص شكري وتقديري

رشيد عباز
01-12-2007, 21:14
ساري 2007
سكوون
mrz
صغير ومظلوم
ديماا
شكرا لكم أيها الأحبة على هذا المرور الطيب

مستكشف الخرج
09-12-2007, 00:17
أخي الفاضل العزيز المحترم هل ممكن أن تجمع لنا هذا النتاج الأدبي في ملف لكي نتمكن من قراءته خلال وقت الفراغ هذا طلبي منك أخي فقبل رعاك الله وسددك

أبـــــ صبا ـــــو
09-12-2007, 13:07
الله ينور عليك يا أخ رشيد على هذا الموضوع الرائع
حيث أنني كنت أتوق لموضوعات الأدب والشعر خاصة
شكرا على الشرح المتميز
شكرا على الطرح الرائع
وتقبلوا مروري

نـجـديـة
09-12-2007, 18:56
ما أجمل طرحك ....موضوع في قمة الروعة

ألف تحية لشخصك الكريم