ابومحمد
24-01-2002, 18:03
الموت وعظاته خطبة الجمعة في المسجد النبوي بالمدينة النبوية
لفضيلة الشيخ: عبد الباري الثبيتي
بتاريخ: 19- 1-1422هـ
والتي تحدث فيها فضيلته عن: الموت وعظاته
الحمد لله القائل ) إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( [فاطر: 22] أحمده سبحانه وأشكره، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وهو العزيز الغفور، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى والنور، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة ننتفع بها يوم البعث والنشور. أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله فهي خير زاد في الدنيا والآخرة وبها النجاة يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
قال تعالى: ) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور ( [آل عمران:185]
إنها حقيقة الموت وما بعد الموت، الموت الذي سيذوقه كل واحد منا فقيرًا كان أو غنيًا، صحيحًا كان أو سقيمًا، كبيرًا كان أو صغيرًا، رئيسًا أو مرؤوسًا ولن ينجو من الموت أحد، ولو فر إلى مكان بعيد أو برج عالي أو وادٍ سحيق، قال تعالى: ) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ( [النساء: 78] الموت على وضوح شأنه، وظهور آثاره، سر من الأسرار التي حيّرت الألباب وأذهلت العقول فهو يتعلق بالروح قال تعالى: ) وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً( [الاسراء:85]
ترى الشاب الممتلئ صحة وعافية والشجاع الذي يصرع الأبطال في لحظة يسيرة قد استحال جثة هامدة وصار جسمًا لا حراك فيه. فذهب ذلك الشباب وتلاشت تلك القوة، وتعطلت حواسه، فعطل سمعه وبصره وشمه وخرس لسانه وقد يكون عالمًا ضليعًا أوأديبًا بليغًا أو طبيبًا ماهرًا أو مخترعًا بارعًا. ولكن هيهات أن يمنع ذلك قبض الأرواح إذا انقضت الأعمار، قال تعالى ) إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( [يونس: 49].
كان عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود رحمه الله يرتقي المنبر ويقول: ( كم من مستقبلٍ يومًا لا يستكمله، ومنتظرٍ غدًا لا يبلغه، لو تنظرون إلى الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره)، بينما يتمتع الإنسان بصحته وينعم بعافية ويرتع ويلعب ويسير عجبا ويسرح أنفا، ويأمر وينهى إذا بمرض الموت قد هجم عليه هجوم الأسد على فريسته، فيضعف جسده ويخفت صوته، وترتخي مفاصله وتضمحل قواه وتُطوى صحف أعماله بعد أن يرحل عن دنياه. فما أقرب الموت، كل يوم يدنو منا ونحن ندنو منه وليس بيننا وبينه إلى أن يبلغ الكتاب أجله فإذا نحن في عداد الموتى. فما الأعمار في الحقيقة إلا أزهار تتفتح ثم تذبل أو مصباح ينير ثم ينطفىء أو شهاب يضيء ثم يصير رمادا، وليبحث فوق رمال هذه القبور المبعثرة وبين أحجارها المتهدمة المتساقطة ليبحث أرباب المطامع وطلاب الدنيا ليعلموا أن طريق الشهوات والملذات المحرمة وإن كانت مخضرة مزدانة بالأزهار فإنها تؤدي في نهايتها إلى هذا المصير الذي صار إليه المقبورون، فطوبى لمن أتاه بريد الموت بالإشخاص قبل أن يفتح ناظريه على هؤلاء الأشخاص ومن لم يردعه القران و الموت فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع. ما نراه في المقابر أعظم وأكبر معتبر فحامل الجنازة اليوم محمول غدًا ومن يرجع من المقبرة إلى بيته سيُرجع عنه غدًا ويُترك وحيدًا فريدًا مرتهنًا بعمله فإن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. وفي زمننا نرى بعض المشيعين يضحكون ويلهون أو يكون قد حضر رياء وسمعة بسبب الغفلة التي بها قست قلوب حتى نُسي اليوم الآخر وأهوال البرزخ والمعاد، فنسأل الله اليقضة من هذه الغفلة، جديرٌ بمن الموت صارعه، والتراب مضجعه، والقبر مقره وبطن الأرض مستقره والقيامة موعده والجنة أو النار مورده أن يتذكر الموت ويستعد له ويتدبر فيه، حقيقٌ بأن يعد نفسه من الموتى ويراها من أهل القبور فإن كل ما هو آت قريب. إن ملك الموت إذا جاء لم يمنعه منك مالك ولا كثرة احتشادك،
أين الذين بـلغوا المـنى فمالهم في المنى منازع
جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا بنوا مساكنهم فما سكنوا
ولكننا ننسى الموت ونسبح في بحر الحياة وكأننا مخلدون في هذه الدار، وأويس القرني يقول :
( توسدوا الموت إذا نمتم واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم ).
إن من تذكر الموت هانت عنده الدنيا ومصائبها فهو عالي الهمة قوي العزيمة، بعيد عن الرياء والسمعة، يتطلع إلى النعيم المقيم في جنات الخلود إن تذكر الموت ليس لتنغيص عيش الإنسان عليه فيقبع في منزله تاركا أسباب الحياة خائفًا منقطعًا عن العمل والإنتاج. بل ليدعو تذكره إلى العمل الذي يردع عن المعاصي ويُليِّن القلب القاسي. نتذكر الموت لنحسن الاستعداد لما بعد الموت بالعمل والطاعة والاجتهاد في العبادة من صيام وقيام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر ومساعدة المحتاجين. قال عبد الرحمن بن مهدي: ( لو قيل لحماد بن سلمة إنك تموت غدًا ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا ) لأن أوقاته معمورة بالتعبد، وكانت أوقاته معمورة بالتعبد والأوراد. الاستعداد للموت بهجر المنكرات وترك المعاصي ورد المظالم والحقوق إلى أهلها. الاستعداد للموت بإزالة الشحناء والبغضاء والعداوة من القلوب، الاستعداد للموت ببر الوالدين وصلة الرحم. يذكر ابن المبارك أن صالح المري كان يقول: ( إن ذكر الموت إذا فارقني ساعة فسد علي قلبي).
لفضيلة الشيخ: عبد الباري الثبيتي
بتاريخ: 19- 1-1422هـ
والتي تحدث فيها فضيلته عن: الموت وعظاته
الحمد لله القائل ) إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( [فاطر: 22] أحمده سبحانه وأشكره، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وهو العزيز الغفور، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى والنور، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة ننتفع بها يوم البعث والنشور. أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله فهي خير زاد في الدنيا والآخرة وبها النجاة يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
قال تعالى: ) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور ( [آل عمران:185]
إنها حقيقة الموت وما بعد الموت، الموت الذي سيذوقه كل واحد منا فقيرًا كان أو غنيًا، صحيحًا كان أو سقيمًا، كبيرًا كان أو صغيرًا، رئيسًا أو مرؤوسًا ولن ينجو من الموت أحد، ولو فر إلى مكان بعيد أو برج عالي أو وادٍ سحيق، قال تعالى: ) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ( [النساء: 78] الموت على وضوح شأنه، وظهور آثاره، سر من الأسرار التي حيّرت الألباب وأذهلت العقول فهو يتعلق بالروح قال تعالى: ) وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً( [الاسراء:85]
ترى الشاب الممتلئ صحة وعافية والشجاع الذي يصرع الأبطال في لحظة يسيرة قد استحال جثة هامدة وصار جسمًا لا حراك فيه. فذهب ذلك الشباب وتلاشت تلك القوة، وتعطلت حواسه، فعطل سمعه وبصره وشمه وخرس لسانه وقد يكون عالمًا ضليعًا أوأديبًا بليغًا أو طبيبًا ماهرًا أو مخترعًا بارعًا. ولكن هيهات أن يمنع ذلك قبض الأرواح إذا انقضت الأعمار، قال تعالى ) إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( [يونس: 49].
كان عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود رحمه الله يرتقي المنبر ويقول: ( كم من مستقبلٍ يومًا لا يستكمله، ومنتظرٍ غدًا لا يبلغه، لو تنظرون إلى الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره)، بينما يتمتع الإنسان بصحته وينعم بعافية ويرتع ويلعب ويسير عجبا ويسرح أنفا، ويأمر وينهى إذا بمرض الموت قد هجم عليه هجوم الأسد على فريسته، فيضعف جسده ويخفت صوته، وترتخي مفاصله وتضمحل قواه وتُطوى صحف أعماله بعد أن يرحل عن دنياه. فما أقرب الموت، كل يوم يدنو منا ونحن ندنو منه وليس بيننا وبينه إلى أن يبلغ الكتاب أجله فإذا نحن في عداد الموتى. فما الأعمار في الحقيقة إلا أزهار تتفتح ثم تذبل أو مصباح ينير ثم ينطفىء أو شهاب يضيء ثم يصير رمادا، وليبحث فوق رمال هذه القبور المبعثرة وبين أحجارها المتهدمة المتساقطة ليبحث أرباب المطامع وطلاب الدنيا ليعلموا أن طريق الشهوات والملذات المحرمة وإن كانت مخضرة مزدانة بالأزهار فإنها تؤدي في نهايتها إلى هذا المصير الذي صار إليه المقبورون، فطوبى لمن أتاه بريد الموت بالإشخاص قبل أن يفتح ناظريه على هؤلاء الأشخاص ومن لم يردعه القران و الموت فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع. ما نراه في المقابر أعظم وأكبر معتبر فحامل الجنازة اليوم محمول غدًا ومن يرجع من المقبرة إلى بيته سيُرجع عنه غدًا ويُترك وحيدًا فريدًا مرتهنًا بعمله فإن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. وفي زمننا نرى بعض المشيعين يضحكون ويلهون أو يكون قد حضر رياء وسمعة بسبب الغفلة التي بها قست قلوب حتى نُسي اليوم الآخر وأهوال البرزخ والمعاد، فنسأل الله اليقضة من هذه الغفلة، جديرٌ بمن الموت صارعه، والتراب مضجعه، والقبر مقره وبطن الأرض مستقره والقيامة موعده والجنة أو النار مورده أن يتذكر الموت ويستعد له ويتدبر فيه، حقيقٌ بأن يعد نفسه من الموتى ويراها من أهل القبور فإن كل ما هو آت قريب. إن ملك الموت إذا جاء لم يمنعه منك مالك ولا كثرة احتشادك،
أين الذين بـلغوا المـنى فمالهم في المنى منازع
جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا بنوا مساكنهم فما سكنوا
ولكننا ننسى الموت ونسبح في بحر الحياة وكأننا مخلدون في هذه الدار، وأويس القرني يقول :
( توسدوا الموت إذا نمتم واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم ).
إن من تذكر الموت هانت عنده الدنيا ومصائبها فهو عالي الهمة قوي العزيمة، بعيد عن الرياء والسمعة، يتطلع إلى النعيم المقيم في جنات الخلود إن تذكر الموت ليس لتنغيص عيش الإنسان عليه فيقبع في منزله تاركا أسباب الحياة خائفًا منقطعًا عن العمل والإنتاج. بل ليدعو تذكره إلى العمل الذي يردع عن المعاصي ويُليِّن القلب القاسي. نتذكر الموت لنحسن الاستعداد لما بعد الموت بالعمل والطاعة والاجتهاد في العبادة من صيام وقيام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر ومساعدة المحتاجين. قال عبد الرحمن بن مهدي: ( لو قيل لحماد بن سلمة إنك تموت غدًا ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا ) لأن أوقاته معمورة بالتعبد، وكانت أوقاته معمورة بالتعبد والأوراد. الاستعداد للموت بهجر المنكرات وترك المعاصي ورد المظالم والحقوق إلى أهلها. الاستعداد للموت بإزالة الشحناء والبغضاء والعداوة من القلوب، الاستعداد للموت ببر الوالدين وصلة الرحم. يذكر ابن المبارك أن صالح المري كان يقول: ( إن ذكر الموت إذا فارقني ساعة فسد علي قلبي).